الشوكاني

187

فتح القدير

المسلمين ، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم ، فأنزل الله هذه الآيات ، ومعنى ( أينما كانوا ) إحاطة علمه بكل تناج يكون منهم في أي مكان من الأمكنة ( ثم ينبئهم ) أي يخبرهم ( بما عملوا يوم القيامة ) توبيخا لهم وتبكيتا وإلزاما للحجة ( إن الله بكل شئ عليم ) لا يخفى عليه شئ كائنا ما كان ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ) هؤلاء الذين نهوا ، ثم عادوا لما نهوا عنه هم من تقدم ذكره من المنافقين واليهود . قال مقاتل : كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين اليهود مواعدة ، فإذا مر بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شرا ، فنهاهم الله فلم ينتهوا ، فنزلت . وقال ابن زيد : كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسأله الحاجة ويناجيه والأرض يومئذ حرب فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم فيفزعون لذلك ( ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول ) قرأ الجمهور " يتناجون " بوزن يتفاعلون ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله فيما بعد ( إذا تناجيتم فلا تتناجوا ) . وقرأ حمزة وخلف وورش عن يعقوب " وينتجون " بوزن يفتعلون ، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه ، وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد نحو تخاصموا واختصموا وتقاتلوا واقتتلوا ، ومعنى الإثم ما هو إثم في نفسه كالكذب والظلم ، والعدوان ما فيه عدوان على المؤمنين ومعصية الرسول مخالفته . قرأ الجمهور " ومعصية " بالإفراد . وقرأ الضحاك وحميد ومجاهد " ومعصيات " بالجمع ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) قال القرطبي : إن المراد بها اليهود كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهرا وهم يعنون الموت باطنا ، فيقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : عليكم ، وفي رواية أخرى وعليكم ( ويقولون في أنفسهم ) أي فيما بينهم ( لولا يعذبنا الله بما نقول ) أي هلا يعذبنا بذلك ، ولو كان محمد نبيا لعذبنا بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به ، وقيل المعنى : لو كان نبيا لاستجيب له فينا حيث يقول وعليكم ووقع علينا الموت عند ذلك ( حسبهم جهنم ) عذابا ( يصلونها ) يدخلونها ( فبئس المصير ) أي المرجع ، وهو جهنم ( يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ) لما فرغ سبحانه عن نهي اليهود والمنافقين عن النجوى أرشد المؤمنين إذا تناجوا فيما بينهم أن لا يتناجوا بما فيه إثم وعدوان ومعصية لرسول الله كما يفعله اليهود والمنافقون . ثم بين لهم ما يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم فقال ( وتناجوا بالبر والتقوى ) أي بالطاعة وترك المعصية ، وقيل الخطاب للمنافقين ، والمعنى : يا أيها الذين آمنوا ظاهرا أو بزعمهم ، واختار هذا الزجاج ، وقيل الخطاب لليهود ، والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بموسى ، والأول أولى ، ثم خوفهم سبحانه فقال ( واتقوا الله الذي إليه تحشرون ) فيجزيكم بأعمالكم . ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي هو من جهة الشيطان ، فقال ( إنما النجوى ) يعنى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول ( من الشيطان ) لا من غيره : أي من تزيينه وتسويله ( ليحزن الذين آمنوا ) أي لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها ( وليس بضارهم شيئا ) أو وليس الشيطان أو التناجي الذي يزينه الشيطان بضار المؤمنين شيئا من الضرر ( إلا بإذن الله ) أي بمشيئته ، وقيل بعلمه ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أي يكلون أمرهم إليه ويفوضونه في جميع شؤونهم ويستعيذون بالله من الشيطان ولا يبالون بما يزينه من النجوى . وقد أخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب . قال السيوطي بسند جيد عن ابن عمر : إن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : السام عليك ، يريدون بذلك شتمه ، ثم يقولون في أنفسهم : لولا يعذبنا الله بما نقول ، فنزلت هذه الآية ( وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ) وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي وصححه عن أنس " أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وآله